محمد خليل المرادي
356
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
تعن عليه الأيّام . ولم تزده على ما به منها غير الهيام . فقنع بالعيش الكفاف . وتقنّع بفضل العفاف . وجعل الأدب له دأبا فأدركته حرفته . وأكثرت من تأفّف المتضجّر شفته . واخترع من بديعه ما شيّد بيته . ولم يشنه من فادح لوه وليته . فحاز الرتبة فيه . وأجاد برصفه وتقفّيه . فكم له من غادة مقصورة ، على الإجادة والاستحسان مقصورة . توشّحت بكلّ تاريخ كعقد الجمان . جدير بأن ينشد في حقّه حلف الزمان . تؤسى به جراح البطالة . ويزري بأدمع المزن الهطّالة . وسأقيم لك أقوم برهان . وأثبته بما هو صقيل الفكر وإرهاف الأذهان . فمن مطوّلاته المتقلّدة بالتواريخ العجيبة . التي دعا إليها القوافي فتبادرت إليها مجيبة . قصيدته التي مدح بها صاحب الفيض القدسي ، العارف باللّه تعالى عبد الغني النابلسي . وصدّرها بنثر وهو قوله « 1 » : متّع اللّه الوجود بجناب جمال درة إكليل تاج المحقّقين . وواسطة عقد المدقّقين . وبهجة غرّة عقيدة الواثقين . من سما إلى سماء أسرار حقيقة حقّ اليقين . إنسان عين دوح البلاغة ومقليد « 2 » البراعة . من تنجلي بحسن وصفه الطروس ، وتحنّ شوقا إلى طيب ذكره النفوس . من حلّ ذرا المجد وهو في بحبوحة الآداب . وأوتي الحكمة وفصل الخطاب . شمس أفضال ترقرقت من سماء المعارف . وكعبة إجلال أشرقت بسناء العوارف : من لي بكوكب عرفان وبدر وفا * بسعده شرفا قد جاوز الشرفا أكرم به من حبر على لطف شيمه انعقدت الخناصر ، وأذعنت لجلال قدره الأنام وأذعنت بأنّ هذا الشهاب الأوحد قد بزغ من أطيب العناصر . فلا غرو أن يملك بيديه أزمة الفضائل والمفاخر . فقد ساد بسؤدده الأوائل والأواخر . كيف لا وهو منهج الأحكام الدينية . ومورد العلوم اللدنيّة . فتراه حيث أخذ يرتع في رياض أنسه وآدابه . ويجلو عرائس أبكار أفكاره على أحبابه وطلّابه . إن يقل نثرا يخلب الأسماع بما يفحم به اليلمع العروف . أو يقرض شعرا يسحر العقول بما يذعن لبلاغته كلّ معمع يهفوف . إلى حسن محاضرة تأخذ بجامع القلوب . وطيب مطارحة تفصح عن كلّ مأمول ومطلوب . نشر أردية علوم الحقيقة بعد طيّها . فدانت لأفانين علومه بلغاء العجم وفصحاء العرب بإحياء كتب الإمام الأكبر بحلّ طيها . ولقد شرح الصدور ، وزحزح الكدور . بشرح بديع خلعة سنيّة وضعها على متن الفصوص . فيا لها حلّة غرّاء كلّلت بجواهر الأدلّة القطعيّة والنصوص . إن هو إلّا وحي يوحى . منزّل من فلك يوحى :
--> ( 1 ) نشر الأمير حيدر الشهابيّ هذا النصّ في تاريخه : « الغرر الحسان » المنشور في بيروت بتحقيق أسد رستم بعنوان : لبنان في عهد الأمراء الشهابيين ، ج 1 صفحة 22 وما بعد . ( 2 ) مقليد : مثل إقليد ، وزنا ومعنى : الطّراز .